محمد ابراهيم شادي
تمهيد 10
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
لكنه مجرد تصور نظري مدعم بالأدوات ، اللازمة والوسائل الواجبة ، لقد قدم عبد القاهر المنهج والوسائل والأدوات وترك لنا الكشف عن الإعجاز كمن يشير إلى مكان الخبيء ليطلب ، وهذا هو نفس ما نعاه عبد القاهر على سابقيه ، لكنه تميز عنهم على كل حال بوضع المنهج الصحيح وتحديد الوسائل الجديرة بتحقيق ذلك المنهج ، ويبدو أن الزمن لم يسمح لعبد القاهر بالتحول من التنظير إلى التطبيق . وعقد له ابن أبي الإصبع بابا سماه ( الموازنة ) وإن تعجله تعجلا شديدا فلم يستشهد له بغير شاهد واحد ، وإن عاد إلى الموازنة التطبيقية في أبواب أخرى من كتابه ( بديع القرآن ) . ولابن الأثير مثل ما لابن أبي الإصبع ما نجده في كتابه ( المثل السائر ) من بعض الموازنات التطبيقية من شواهد من القرآن وشواهد من الكلام العربي . ويلفتنا في تلك الموازنات أنها ضرب من النقد التطبيقي الذي لا يستطيعه إلا ناقد متمرس ، لهذا نجد أن العلماء الذين ألمحوا إلى هذا المنهج في البحث عن الإعجاز كانوا من النقاد ، وكان لهم في النقد الأدبي باع طويل وخبرة عميقة . والعز بن عبد السلام كان مقتنعا بمنهج الموازنة ، ولكنه طبقه بمفهوم خاص هو الموازنة بين التعبير القرآني والتعبير البديل عن المعنى القرآني ليصل إلى أن التعبير القرآني هو الأحكم وهو المعجز وذلك في كتابه ( الإشارة إلى الإيجاز ) وكان في هذا كالرماني في تحليله شواهد التشبيه والاستعارة . وفي عصرنا كثرت المؤلفات في إعجاز القرآن كثرة قد تصرف من يفكر في الكتابة عن هذا الموضوع ، لكن من يقرأ هذه المؤلفات يجدها عالة على أفكار السابقين ، فهي إما تأريخا لفكرة الإعجاز أو انشغالا بالحديث عن أدوات البحث في الإعجاز وترديدا لمقولات السابقين مع تفصيلها أحيانا ، إلا ما كان من بعض البحوث التي أفادت من الوسائل العلمية وتتعلق بنظام القرآن وهندسة بنائه « 1 » .
--> ( 1 ) مثل الأبحاث التي قام بها الدكتور حلمي موسى والدكتور عبد الرازق نوفل ، انظر تفاصيل هذا في كتاب ( إعجاز النظام القرآني ) أحمد عبد الوهاب 97 ، 89 ، 100 مكتبة غريب ط 1 1400 ه .